علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
131
ثمرات الأوراق
فطرقتها ، فقال البوّاب : من هذا ؟ قلت : ابن الجصّاص ، فقال : ليس هذا وقت وصول ، والوزير نائم ، فقلت : عرّف الحجّاب أنّي حضرت في مهمّ . فعرّفهم ، فخرج إليّ أحدهم ، وقال : إنّه في هذا الوقت لا ينتبه . فقلت : الأمر أهمّ من ذلك فأيقظه ، وعرّفه عنّي ما قلت لك . فدخل وأبطأ ساعة ، ثم خرج وأدخلني [ إلى الدّار ، حتى انتهيت إلى مرقده وهو جالس على سريره ] « 1 » ؛ فارتاع لدخولي ، وظنّ أنّي جئته برسالة من الخليفة ، أو حدثت حادثة وهو متوقّع لمّا أورده عليه ، فنظر إليّ وقال : ما الذي جاء بك في هذا الوقت ؟ [ هل حدثت حادثة ؟ أو معك من الخليفة رسالة ؟ ] « 1 » قلت : خير ، ما حدثت حادثة ، ولا معي رسالة ، ولا جئت إلّا في أمر يخصّني ويخصّ الوزير . ولم تصلح مفاوضته إلّا على خلوة . فسكن روعه ، وقال لمن حوله : انصرفوا ، فمضوا ، فقال : هات ؛ فقلت : إنّك قصدتني بأقبح قصد ، وشرعت في هلاكي ، وإزالة نعمتي ، وفي إزالتها خروج نفسي ؛ وليس عن النفس عوض ، وقد جعلت هذا الكلام عذرا بيني وبينك ، فإن نزلت تحت حكمي في الصّلح ، وإلّا قصدت الخليفة في هذه الساعة ، وحوّلت إليه [ من خزائني ] « 1 » ألف ألف دينار - وأنت تعلم قدرتي عليها - وأقول له : خذ هذا المال وسلّم إليّ ابن الفرات ، وأسلّمك لمن أختاره للوزارة ، ويقع في نفسي أنه يجيب إلى تقليده ممّن له وجه مقبول ولسان عذب ، وخطّ حسن ، ولا أعتمد إلّا على بعض كتّابك ، فإنه لا يفرّق بينك وبينه إذا رأى المال حاضرا ، فيسلمك في الحال إليه ، ويفرغ عليك العذاب بحضوري ، ويأخذ منك المال المعيّن ، وأنت تعلم أنّ حالك تفي بهذا ولكنّك تفتقر بعدها ، ويرجع المال إليّ ، وأكون قد أهلكت عدوّي ، وشفيت غيظي ، [ واسترجعت مالي ، وصنت نعمتي ] « 1 » ؛ وزاد محلّي [ بصرفي وزيرا ] « 1 » ؛ وتقليدي وزيرا . فلمّا سمع هذا الكلام سقط في يده ، وقال : يا عدوّ اللّه ، أو تستحلّ ذلك ! فقلت : لست عدوّ اللّه بل عدوّ اللّه من استحلّ مني هذا ؛ فقال : وما تريد ؟ فقلت : تحلف الساعة بما أستحلفك به من الأيمان المغلّظة أن تكون معي لا عليّ ؛ في صغير أمري وكبيره ، ولا تنقص لي رسما ، [ ولا تغيّر لي معاملة ] « 2 » ؛ ولا تضع منّي ، بل تبالغ في رفعتي ، ولا تبطن عليّ ؛ فقال : وتحلف أنت أيضا لي بمثل هذا اليمين على جميل النّية ، وحسن الطّاعة ، فقلت أفعل . فقال : لعنك اللّه ، واللّه لقد سحرتني ؛ واستدعى بدواة ، وعملنا نسخة يمين ، وحلف كلّ منّا عليها ، فلمّا أردت القيام قال لي : يا أبا عبد اللّه . لقد عظمت في نفسي ، واللّه ما كان المقتدر يفرق بين أخسّ
--> ( 1 ) من كتاب أخبار الحمقى . ( 2 ) من « أخبار الحمقى » .